الأربعاء، 17 مارس، 2010

مصدر قول يسوع انا قلت أنكم آلهة

2- نص عن أنا قلت أنكم آلهة
- فتناول اليهود حجارة ليرجموه,
فأجابهم يسوع أعمالا كثيرة حسنة أريتكم من عند أبي,
بسبب أي عمل ترجمونني,
أجابه اليهود قائلين لسنا نرجمك لأجل عمل حسن, بل لأجل تجديف,
فانك وأنت إنسان تجعل نفسك ألها,
أجابهم يسوع أليس مكتوبا في ناموسكم أنا قلت أنكم آلهة, ان قال لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الإله,
ولا يمكن أن ينقض المكتوب. (يوحنا10/31-35)
في هذا النص يكتب يوحنا قصة عن محاولة اليهود رجم يسوع بالحجارة! وسؤال يسوع لهم عن السبب الذي يريدون ان يرجموه من اجله, ويُذكرهم بأنه قام بعمل الكثير من الأعمال الحسنة من اجلهم وخاصة شفاء بعض المرضى الذين عجز الأطباء عن شفائهم, فيجيبه اليهود قائلين أنهم لا يريدون أن يرجموه لأجل شفاء المرضى والأعمال الحسنة الأخرى, ولكنهم يريدون ان يرجموه من اجل كلام الكفر أو التجديف الذي يتفوه به بادعائه وهو انسان انه إله, فيرد عليهم يسوع بالقول أليس مكتوباً في ناموسكم أنا قلت أنكم آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الإله ولا يمكن أن ينقض المكتوب.
وهذا الرد على الرغم من انه يعتبر رداً منطقياً وقوياً ومفحماً من يسوع على اليهود إلا انه توجد بعض الملاحظات عليه.
الملاحظة الأُولى وهي قوله ناموسكم فهذه الكلمة خطأ لأن المزامير لا يطلق عليها ناموس بل يطلق عليها الأسفار الشعرية أو أسفار الحكمة, والذي يُطلق عليه الناموس هي الأسفار الخمسة الأُولى!
الملاحظة الثانية وهي لو وافقنا على قوله ناموسكم فهذه الكلمة ليست هي الكلمة الصحيحة في هذا الموقف, فيوحنا هنا يريد ان يظهر ان يسوع إله, فكان من الواجب ان يستخدم كلمة ناموسي أنا وليس ناموسكم, لأنه إذا كان ما يقوله صحيحاً من انه إله واحد الأقانيم الثلاثة الذين هم واحد ومن نفس الجوهر فيكون هو نفسه من انزل الناموس على موسى, فقوله لهم ناموسكم كأنه يستشهد على قوله انه إله إنما هو من باب ما جاء في العهد القديم من بعض الفقرات التي تذكر بعض الصفات الإلهية لبعض الناس, ولهذا كان الواجب عليه ان يقول ناموسي لو كان حقاً يحس انه إله, أو بمعنى أدق كان الواجب على يوحنا ان يكتب على لسان يسوع ناموسي لو كان يؤمن ان يسوع هو إله حقيقي!
الملاحظة الثالثة وهي إذا كان ما ذكره يوحنا صحيحاً وموافقاً عليه من يسوع ومن الروح المقدس ومن الكنائس المختلفة فقد اثبت وجود آلهة أُخرى كثيرة, وليس إلهاً أو إلهين آخرين, لأنه قال عن قضاة اليهود أنهم آلهة وهؤلاء القضاة يعدون بالمئات!
الملاحظة الرابعة وهي هل ما فهمه يوحنا من النص المذكور في العهد القديم هو مقبول عند اليهود, خاصة انه يصف قضاتهم بالآلهة مثل يسوع نفسه, فهو يمدحهم ولا يذمهم, بل ويعطيهم مكانة عالية جداً عليهم؟!
والجواب على هذا واضح ومشهور فاليهود لم يقتنعوا بكلام يوحنا وما كتبه على لسان يسوع من استشهاده بالنص, بل بقوا مصرّين على ان قوله عن نفسه انه إله تجديف يستوجب الرجم والقتل!
نأتي الآن لقراءة النص المستشهد به لنرى حقيقة ما فهمه يوحنا أو يسوع منه, وهو مذكور في المزمور الثاني والثمانين, وهو كما يلي:
- الإله قائم في مجمع الإله,
في وسط الآلهة يقضي,
حتى متى تقضون جوراً وترفعون وجوه الأشرار,
سلاة,
اقضوا للذليل ولليتيم,
أنصفوا المسكين والبائس,
نجوا المسكين والفقير, من يد الأشرار أنقذوا,
لا يعلمون ولا يفهمون,
في الظلمة يتمشون,
تتزعزع كل أُسس الارض,
أنا قلت أنكم آلهة وبنو العلي كلكم,
لكن مثل الناس تموتون,
وكأحد الرؤساء تسقطون,
قم يا رب دن الارض,
لأنك أنت تمتلك كل الأمم. (مزامير82/1-8)
وحتى نأخذ صورة أوضح عن معاني هذا المزمور أود أن أذكره من طبعة أُخرى للعهد القديم طبعت بإشراف من
International Bible Society
وهو يأخذ الترميز الدولي رقم
ISBN 1-56320-074-0
الطبعة الثالثة
وهذا نصه:
- الإله يترأس ساحة قضائه,
وعلى القضاة يصدر حكماً,
حتى متى تقضون بالظلم وتنحازون الى الأشرار,
احكموا للذليل واليتيم,
وأنصفوا المسكين والبائس,
أنقذوا المسكين والفقير,
أنقذوهما من قبضة الشريرة,
هم من غير معرفة وفهم,
يتمشون في الظلمة,
وتتزعزع أسس الأرض من كثرة الجور,
أنا قلت أنكم آلهة,
وجميعكم بنو العلي,
لكنكم ستموتون كالبشر,
وتنتهي حياتكم مثل كل الرؤساء,
قم يا رب قم,
دن الارض, لأنك أنت تمتلك الأمم بأسرها. (المزامير82/1-8)
إن النص سواء في الطبعة التي اعتمدتها في هذا الكتاب أو الطبعة الثانية أو الكلام الذي كتبه يوحنا في إنجيله يُظهر انه يتحدث عن قضاة بني إسرائيل, وان وصفتهم الطبعة المعتمدة بالآلهة إلا ان الطبعة الثانية بينت المعنى الصحيح لهذه الكلمة من ان المقصود بالآلهة هم قضاة اليهود, وما يزيد الأمر وضوحاً بالنسبة لمعنى الكلمة هو ما تتكلم القصة عنه.
فالمزمور يقول ان الرب يطلب من قضاة بني اسرائيل ان ينتهوا عن القضاء بالجور, وان لا يرفعوا وجوه الأشرار, وان يقضوا للذليل والمسكين, وان ينصفوا المساكين وينجّوا الفقراء, وتوجد عدة نصوص في العهد القديم تتحدث عن حالة قضاة اليهود وأنهم كانوا لا يقضون بالحق ومنها النص التالي:
- رؤساؤكِ متمردون ولغفاء اللصوص,
كل واحد منهم يحب الرشوة ويتبع العطايا,
لا يقضون لليتيم ودعوى الأرملة لا تصل إليهم. (إشعياء1/23)
فالمزمور يوبخ قضاة اليهود ولا يمدحهم, بعد كل هذا التوبيخ لهم من الرب يذكر المزمور صفات أُخرى لأولئك القضاة, أو الآلهة بحسب الطبعة المعتمدة, فيقول الرب عنهم أنهم لا يعلمون ولا يفهمون وانهم يمشون في الظلمة وانهم بأحكامهم تلك يزعزعون أسس الأرض التي قامت على العدل والحكمة, فإذا كان هؤلاء آلهة حقيقية كما ظن يسوع, أو بمعنى أدق كما كتب يوحنا على لسان يسوع, وهذه صفاتهم فكيف سيستقيم أمر هذا الكون؟!
وهل حقاً ان تلك الآلهة الذين لا يعلمون ولا يفهمون ويمشون في الظلمة هم آلهة حقيقية؟!
بعد كل هذه الأوصاف القبيحة وهذا التوبيخ الشديد لأولئك القضاة تأتي جملة أنا قلت أنكم آلهة وبنو العلي كلكم التي كتبها يوحنا على لسان يسوع ليثبت لهم عدم خطأ قوله أنه إله لان هذه الجملة ذكرت في ناموسهم, وهذا الاستشهاد يكون صحيحاً لو ان الجملة جاءت في سياق المدح وليس الذم والتوبيخ كما هو ملاحظ! لان المزمور كله يتحدث عن جور القضاة وظلمهم وجهلهم ومشيهم في الظلمات ومن ثم يطلب منهم ان يتوقفوا عن كل أنواع الظلم, فالجملة التي نحن بصددها هي استكمال للحديث الأول, أي إن الرب يريد أن يوبخ قضاة اليهود زيادة على ما سبق فقال لهم من باب التوبيخ وليس المدح, كما هو سياق النص كله!
فقال لهم أنا قلت أنكم آلهة حتى تقضوا وتحكموا كما تشتهي أنفسكم وتظلموا المساكين واليتامى!
أنا قلت أنكم آلهة حتى ترفعوا وجوه الأشرار!
انا قلت انكم آلهة وانتم تمشون في الظلمة!
انا قلت انكم آلهة وانتم لا علم لكم ولا فهم!
انا قلت انكم بنو العلي كلكم وانتم هذه صفاتكم!
أنا قلت انكم آلهة وانتم تموتون مثل الناس وتسقطون كأحد الرؤساء!
انا قلت انكم آلهة وبنو العلي تدعون!
قم يا رب دن الأرض, لأنك أنت تمتلك كل الأمم.
من هذه القراءة المتأنية لهذا المزمور نجد ان اقتباس يوحنا لهذا النص للاستشهاد به على صحة قوله عن يسوع انه إله ليس صحيحاً, وكان من الأفضل له معرفة الرب ومعرفة يسوع كما تصفه قوانين إيمان الكنائس قبل كتابة هذه القصة, فالرب في العهد القديم مكتوب عنه عشرات النصوص بل مئات النصوص التي تبين وحدانيته وانه لا شريك له ولا مثيل وان كل من يشرك به سيعاقبه وان كل المعبودات من دونه انما هي أباطيل وخرافات لا تضر ولا تنفع فكيف يصف قضاة اليهود بأنهم آلهة إلا إذا كان هذا الوصف للتوبيخ والتحقير وهو ما ظهر لنا من خلال قراءة المزمور.
وأما معرفة يوحنا ليسوع فكان الواجب عليه إذا كان يؤمن بما تقوله قوانين إيمان الكنائس (هذا إذا كان قد سمع بها) عن يسوع أن يعلم ان هذه القوانين لا تعتبر يسوع كقضاة اليهود.
وهذا الأمر يدل على أن كتبة الاناجيل كانوا يعتمدون في كتابتهم للأناجيل على نصوص العهد القديم للقول أن ما يؤمنون به متوافق معها, بغض النظر عن حقيقة تلك النصوص وما تتحدث عنه لإضفاء حالة من القداسة على ما يكتبون.